بين العام والخاص تتكون القصص. ولأن كل ما هو سياسي هو شخصي أيضا، فنحن جميعا كما قال لي مرة أحد الأستاذة "نقطة على متصل"، وعلى متصل التاريخ جئت أنا من نسل عائلتين في ميت سلسيل بمحافظة الدقهلية لأتوه في قصصي مرة أخرى بين العام والخاص، وكلما بحثت أكثر كلما خف التناقض ووجدت سبيل الحاضر من خلال قصص الماضي.
عاش والداي في فترة تغيرات اجتماعية واقتصادية جعلت لدى جيلهم رؤى متعددة للواقع، فمن مصر عبدالناصر إلى السادات والإنفتاح الاقتصادي وصعود الإنبعاث الإسلامي، إلى السفر للخليج والعراق للعمل والإمتداد العمراني في الريف ثم التحول في العلاقات الإجتماعية. رحلة يمتزج فيها الشخصي في العام والماضي في الحاضر ويتبدى كلاهما في الآخر، والأهم يربط أحدهما الآخر.
السير بموازاة الأيام
صورة لموقف الديزل بميت سلسيل

ddddd

كنت مروح بالليل في شارعنا في الشتا والشارع كان ضلمة، مكنش

في ساعتها عمدان نور. من

 

في الشوارع لسه. وانا ماشي سمعت صوت حاجة بتخرفش ورايا وقفت ابص ملقتش حاجة فمشيت تاني والصوت بدأ يظهر تاني ورايا وكل ما اقف ابص في ايه الصوت يقف، اترعبت جدا، كان ساعتها قصص العفاريت والجنيات منتشرة وفي الآخر وقفت تاني اشوف الصوت جاي منين لقيته شوية قش لازقين من الطينة في الجزمة. تن 

صورة لموقف الديزل بميت سلسيل. تن

 

في نكتة كدا بتتقال على الموضوع دا، بيقلك كان في شوية ناس قاعدين بيفقروا في حضرة فدخل عليهم اتنين حرامية كانوا عاوزين يسرقوا شيكارة كيماوي مليانة فواحد قال للتاني انا هقف معاهم اعمل نفسي بفقر على ما انت تكون خدتها ومشيت، التاني راح يجيبها وبعدين رجعله تاني في وسط الحضرة يقوله: دي ثقيلة..دي ثقيلة )على وزن الله حي( فالأولاني قاله: دحرجها..دحرجها.. ننتن

مثلت الصوفية لقرون عديدة مكون أساسي من مكونات الثقافة الشعبية في مصر بل كانت مصر والمغرب أكثر مكانين في المشرق ازدهرت فيهما الصوفية. وكانت مصر قبلة دائمة للطرق الصوفية جعلت عددها يتزايد من نحو 32 طريقة عام 1905 إلى نحو 72 طريقة عام 1988 )الدين الشعبي في مصر – شحاتة صيام( وبحسب شحاتة صيام فإن مصر كانت حاضنة للطرق الصوفية أكثر من الأماكن والبلدان التي نشأت فيها تلك الطرق بسبب أن مصر ذاتها تعتبر مجتمعا دينيا ويشيع فيها الزهد والتنسك منذ عهد الأسرات الفرعونية كما أن أصحاب تلك الطرق كانوا يبحثون عن قاعدة عريضة من المريدين

والأتباع.  تن

وبالرغم من اختلاف الأشكال المتعددة للصوفية سواء كانت شعبية في الحضر والريف أو كانت صوفية علماء الأزهر يبدو أنها كانت الفكر الديني المهيمن. يذكر جلال أمين عن جده بأنه كان متصوفا زاهدا يقضي وقته في التعبد وقراءة القرآن وكان ذلك يشغله عن الإنشغال بأي شيء آخر من القضايا المتعلقة بالشأن العام فبحسب أمين كان جده يرى أن القضايا المتعلقة "بنهضة الأمة" ستحدث حينما يشاء الله، وقد كان جده أزهريا متعلما يعيش في الحضر. من


 

الصوفية

 ساعتها كانت الصوفية منتشرة ؟*

ساعتها مكنش في غير الصوفية. م**

كانت الصوفية والموالد هي الوجه الوحيد للتعبير عن التدين والثقافة الشعبية في الريف المصري بالتحديد في قرية ميت سلسيل بمحافظة الدقهلية وكان المولد الأكبر في البلد هو مولد سيدي مجاهد حيث كانت تُمارس في الموالد طقوس من التفقير والغناء وكان الأهالي يذبحون الذبائح لله والتي كان يتم إرسالها مع الطعام إلى مرتادي المولد الذين كانوا يصابون بالجوع والإنهاك بعد طقوس اليوم. تن

 

ومثل كل الموالد كانت النساء تذهب لقبر سيدي مجاهد بميت سلسيل لتطلب قضاء الحاجات من زواج وخلفة وكانت الذبائح وسيلة من ضمن الوسائل للتقرب. تن

 

بعد ما خلصت الدبلوم كنت ماشي بتمشى في البلد انا وواحد صاحبي وندهلنا حج كبير كان عنده حضرة في البيت وقالنا تعالوا معانا شاركونا قلناله احنا ملناش في الحاجات دي، قالنا بس تعالوا اقعدوا بس ومش لازم تشاركوا وبالفعل دخلنا وقعدنا واحنا قاعدين وفضلوا يفقروا وفي الآخر جه شوية عيش وسريس وقالوا دي نفحة. نن

 

كانت الستات اللي بتدبح للمولد تشيل صنية الأكل على راسها كدا وعليها دكر البط مثلا وتخرج من البيت لسيدي مجاهد تودي الأكل للناس هناك، وأحيانا كان بتربص بيهم حرامي وفجأة يقوم ناطط خاطف دكر البط وياخده ويطلع يجري. ن 

 

ماما: ايوة يعني مثلا كان في واحد شغال مع خواجة عنده بنزينة ولما الخواجة دا مشي ساب كل حاجة له. تت

بس دول غير الأغنيا اللي عبدالناصر أمم أملاكهم؟

بابا: لا دول حاجة تانية. ازب

ترتبط مفاهيم الفهلوة واحتراف اقتناص الفرص والتحايل على الظروف بفترة السبعينات وما بعدها ولكن على ما يبدو أن الفهلوة ليست صنيعة ذلك العصر وإنما لها قصة أطول مع أهل الوادي. از

طب الأغنيا اللي عبدالناصر أمم أملاكهم دول بقى كان ايه مصدر أملاكهم؟ وضع يد وفهلوة برضو ولا ازاي؟

بابا: لا دول كانوا كدا، احنا اتولدنا لقيناهم كدا. ازبابا

ماما: كان فيهم ناس وارثين وناس كانوا بيشتغلوا ويشتروا أراضي زي عيلة مقبل كان عندهم فدادين كتير وأيام عبدالناصر كانوا بيهربوا البهايم بالليل عشان ميخدوهاش منهم وبعد التأميم أبوهم جاله شلل نصفي. ومنهم اللي بيحط ايده على الاراضي وياخدها وبعضهم كان بيستعبد الناس اللي شغالين عنده أسمع عن واحد كان بيضرب الفلاحين عنده بالكرباج. تن
 

*

*

الفهلوة فرعونية

 بس ايه اللي خلى ناس عادية يبقى عندها عشرات الفدادين وناس يبقي عندها مساحة قليلة من الأرض؟

بابا: زمان الأراضي دي كلها كانت فاضية ومش بتاع حد فبقى يجي واحد يحوط على الأرض ويقول دي بتاعتي ويزرعها وخلاص تبقى بتاعته، كان في واحد جنبنا جه في نص البركة (أرض فضاء كان يتجمع فيها ماء النيل أثناء الفيضان) وعمل بيت والناس كلها كانت بتقول ايه الراجل اللي رايح يقعد وسط الناموس دا، بس بعد كدا الأرض

بقت بتاعته وسعرها بقى عالي. نن

طب ايه اللي خلى ناس معينة تاخد أراضي بالشكل دا

وناس تانية مأخدتش؟

بابا: في ناس عبط وناس لا ... كان الفرق في الدماغ بس مش أكتر في ناس كانت بتشغل دماغها وناس عايشة بس يومها تروح الأرض وترجع وملهاش دعوة بأي حاجة تانية ولا بتفكر في السنين اللي قدام. نن

بس معقولة دا كان العامل الوحيد؟ يعني مكنش مثلا

موضوع الولاد والعزوة ولا التعليم له دور؟

 

بابا: لا، كان في مثلا الناس اللي كانت في أحزاب ساعتها

وليها علاقات أو كان ليهم علاقات بالإنجليز.. ت

 

*

*

*

 
السياسة والأحزاب والسلطة: احترام ولا خوف؟

جدي ووالدتي وأختي الكبرى فاطمة

دا في الستينات صح؟

بابا: كنت في ابتدائي.. ايوة في بداية الستينات. ت

على كدا بقى الإنفتاح كان حلو شوية بالنسبة لكدا، يعني ادى للناس شوية حرية. ن

بابا: انت لو قارنت من أيام الملك هتلاقي فترة السادات كانت أحسن فترة، كان فيها عيوب بس كان فيها ترهيب وترغيب مش ترهيب بس. ت

وهل فعلا الكلام اللي كان المدرسين بيقولوه لينا انهم لما كانوا يشوفوا المدرس زمان ماشي في شارع كانوا يمشوا في الشارع التاني والكلام دا كان حقيقي؟

.بابا: ايوة كان المدرس له هيبة

له قيمة ولا الطلبة بيخافوا منه؟

بابا: يعني كان له هيبة وله رهبة. ن 

ما هو رهبة ولا خوف؟ يعني اقصد احترام ولا خوف؟

بابا: احترام بالخوف.... انت لو كلمته هتضرب تاني يوم في المدرسة فتبعد عنه بقى. ت

ماما: دا كان العيل لو قال للمدرس سلام عليكم في الشارع تاني يوم الصبح لازم يضرب. ت

ايوة ما دا خوف مش احترام. ت

بابا: مكنش في حاجة اسمها احترام أصلا. ن

طب ايه رأيك في موضوع التربية دا؟ يعني زمان قبل التدين كان الأخلاق جاية منين؟

بابا: لا كان في ترابط أسري. ن

يعني مثلا السرقة كانت زمان بنسبة اكبر ولا دلوقتي؟

بابا: بتختلف... السرقة كانت زمان بتبقى وقت المغرب كدا ناس تروح بالسلاح تسرق البهايم.. كانت معظمها سرقة بهايم لان مكنش في حاجة غير كدا ... مكنش حد معاه حاجة .. مكنش في الا عربية واحدة في البلد واللي عاوز يودي حاجة القاهرة كان يعرف معاد العربية طالعة امتى ويروح يحجز. ن

يعني اقصد ان التدين مختلفش مع الناس في الأخلاق يعني؟

بابا: ممكن كان الوعي، كان في جهل، التدين نفسه كان تدين جاهل. م

يعني كده التدين فرق في العقيدة مش في الاخلاق؟

بابا: في الاتنين. ن

يعني مثلا موضوع أكل الورث زمان كان اكتر ولا دلوقتي؟

بابا: لا زمان كان أكتر. ت

ماما: كان في عائلات مش بتدي للبنات حقوقها خالص. ك 

بابا: كانوا بيدولهم قشور كدا ويقولوا كويس اننا ادينالهم اصلا. ن
 

هو جدو كان بيحب عبدالناصر؟ من

ماما: أبويا .. لا ... مكنش مهتم. هو كان زي أبوك كدا يحب يسمع الأخبار، ليله ونهاره في الأخبار. مكنش في تلفزيون ساعتها كان الراديو، كان يقعد جنب الراديو ويعلي الصوت ويسمع. از

 

ايوة يعني كان مهتم أهو؟ تن

 

ماما: ايوة كان يقعد يقول العرب جرب.. العرب اجتمعوا على ألا يجتمعوا.. كان دايما بيقول الكلمة دي. از

 

دا حبا في الأجانب يعني؟

 

ماما: هو عاشرهم كتير، اشتغل مع الإنجليز في وظيفة رسمية. هو بقى كان بيحب الإنجليز عشان نضاف وهما كانوا يحبوه عشان أمين .. يعني لو لقى حاجة ليهم كان بيرجعهالهم.. أمانة يعني..عنده أمانة وهما كانوا يحبوا قوي اللي عنده أمانة وشغله نضيف فحبوه بقى. ز

 

مكنش عنده حتة أن دول محتلين مثلا؟

 

ماما: لا هو زي ما تقول كدا كان أمر واقع. از

 

ولا هو كان بيتعامل مثلا مع المدنيين مش الجيش؟

ماما: خواجات ايوة هو كان يقعد يقول الخواجة ... ت

مش الجيش يعني

ماما: لا كان مع المدنيين في وزارة الري، يعني مثلا الراجل صاحب البنزينة دا كان خواجه وكان شغال معاه مصري ولما خرج ساب كل حاجة للمصري والمصري أخدها ورث لأبناءه، وكان ابويا يحكي حاجات كتير بقى من دي أن الخواجات لما مشيوا ورثوا الأملاك دي للمصريين اللي كانوا شغالين معاهم. ت

كان موضوع الأحزاب دا منتشر وناس كتير بنتمي للأحزاب وكدا؟

.بابا: كان قبل الثورة ، لما جت الثورة كل دا راح

ايوة بس قبل الثورة كان في ناس كتير بتنتمى ليها؟

بابا: كان الأحزاب موجودة وكان فيها خناقات وكان دايما الأخوان والوفديين يتخانقوا.. حسن البنا كان جه مرة البلد وكان الوفديين عاوزين يغتالوه بس عيلة قداح منعوهم عشان كان فيهم واحد من الإخوان. ت

ولما عبدالناصر جه الناس توجهها السياسي راح فين؟ أو اتوجه ازاي؟

.بابا: هو دمر كله بقى ولغى الأحزاب

 يعني الناس بقت بتحبه ولا بتكرهه ولا مش فارق معاها؟

بابا: دا كان في فريق عامله إله.. الناس وصلته لدرجة الألوهية، كان في واحد جارنا كان بيقول عليه دا هو أحسن من النبي. والإعلام بقى اشتغل على دماغ الناس في الراديو والتلفزيون وكان بيصورلهم معجزات. ت

طب ليه في رأيك الأخوان انتشروا مثلا بينما الوفد منتشرش زيهم؟

بابا: الإخوان كانوا دعوة شاملة فيها كل حاجة انما الوفد . كان حزب سياسي. ن

كان العمدة بقى له هيبة وكدا زي الأفلام ؟

بابا: في مرة اتسبب في إن المدرسة كلها اضربت كل واحد أربع عصي... كنا في الفسحة وبنلعب وكانت بلكونة بيته جنب المدرسة، فهو طلع بالعصاية: امشي يا ابن الكلب من هنا انت وهو (بصوت منتفخ) وجري ورانا فاحنا جرينا وهو بيجري ورانا اتكعبل ووقع فاحنا هيصنا وقعدنا نضحك عليه ونتريق.. بعدين الجرس ضرب ودخلنا الفصول وجه العمدة للناظر بعدها الناظر طلع المدرسة كلها برة في الحوش طابور في نصر اليوم وكل واحد ياخد أربع عصي ويدخل الفصل والعمدة واقف منفوخ والناظر بيضرب شوية ويريح شوية لما يهبط ويرجع يضرب تاني، ومحدش غير العشر عيال اللي كنا عند العمدة فاهم في ايه ، بيضربوا وبس. ت

 

 

 
الطقوس

فرح بابا وماما. ن

طب لو جينا للطقوس بقى زي الولادة والجواز والحاجات دي، كانت بتبقى عاملة ازاي؟

بابا: كان العريس يدفع المهر والعروسة تتكفل بالباقي. بس كان في برضو فكرة التحويش دي، ان العريس يحوش وبعدين يجوز، هي اه اكيد مختلفة عن زمان بس في تشابهات برضو. ا

ماما: بس مش النقدية بس زى ما انت متصور.. يعني كانوا ممكن يجوزوه من حصاد محصول أو بيع بهايم. ت

بابا: الادخار فكرة موجودة طول تاريخ البشر. ا

ايوة بس في اوروبا وامريكا مثلا الجواز مش قائم على الادخار بيتهيالي. طب وطقوس الولادة مثلا الناس كانت بتعمل عقيقة وسبوع ؟

ماما: لا زمان كان السبوع .. يعني محدش عرف العقيقة دي هنا الاى لما ابوك عملها لاختك فاطمة وكانت الناس بتقول اشمعنى انتوا يا سُنيين وكانوا بيفكروا ان احنا بنلملها فلوس. ي

هو السبوع زمان كانوا بيلموا فيه فلوس ؟

.ماما: ايوة اللي تبقى والدة كانوا بيروحوا ينقطوها وكانت بتترد

المياتم مثلا كانت زي دلوقتي؟ يعني قبل التدين ما ينتشر كانت الناس بتشغل قرآن وكدا؟

ماما: ايوة عادي دا كان حتى القرآن معروف انه بيشتغل في المياتم حتى لو حد دخل البيت مثلا لقى قرآن شغال كان بيقول "انتوا عندكو ميتم". ت

 

 

ماما: كنت بعد ما ارجع من المدرسة اروح لستي أوصلها أكل وفي فترة تانية كنت أروح لستي التانية أساعدها وكان بيبقى في دروس بعد المدرسة. وكان ابويا يعملنا لعب خشب نلعب بيها واحنا صغيرين. ت

 

انتي مولودة في السرو مش كدا؟ (السرو: قرية على حدود محافظة الدقهلية ومحافظة دمياط.) ت

 

ماما: ايوة كتير مننا مولودين في السرو، كان جدك بيتنقل مع شغله، كان زمايله يروحوا لوحدهم بس هو كان يأجر شقة جنب المكان اللي فيه شغله وياخدنا معاه بس في الآخر قال العيال هتدخل المدارس وهتتبهدل فرجع بينا البلد وبقى يروح الشغل كل يوم ويرجع تاني، عشان السرو كان فيها مدرسة ابتدائية بس والبلد كان فيها ابتدائي واعدادي وبعد كدا فتحت فيها مدرسة ثانوي. ت
 

يوم من الطفولة

ايه بقى الهوايات والحاجات اللي كانت بتتعمل في وقت الفراغ ... يعني انتوا كنتوا بتعملوا ايه في وقت الفراغ؟

بابا: كنت تقوم الصبح عالغيط .. مفيش حاجة اسمها فراغ ولو في مدرسة بعد ما تخلص المدرسة تروح عالغيط تودي الاكل للانفار والشغل مبيخلصش بقى كل يوم في شغل واللي عنده واجب مدرسة وعاوز يعمله كان آخر النهار يطلع يجري والناس راجعة من الغيط عشان يروح بدري يلحق يعمل الواجب، وكان ممكن عالمغرب كدا اللي عاوز يلعب كورة يروح البركة يلعب، بس في يوم اتنين اتخانقوا عشان اختلفوا الكورة جون ولا مش جون وواحد ضرب التاني وخبطه خبطة مات فيها ومن بعدها ملعبناش كورة فضلنا بعدها يجي عشرين سنة في الهم دا. كان في ناس معينين كدا كل يوم بعد ما نروح من الغيط يدخلوا الغيط يسرقوا منه وفي يوم قلت للي كانوا معايا روحوا انتوا بحيث التانيين يشوفوهم مروحين وانا استخبيت في الغيط وبعد شوية لقيت التانيين داخلين الغيط يسرقوا فقمت ناطط عليهم بالعصاية وهاتك يا ضرب. نت

 

 
الشيخ كشك متخفيا في شرائط أم كلثوم ورحلة العراق

بابا وأصدقائه

 باستطاعتنا القول أن اوقات الفراغ تمثل في تلك الرؤية عاملا جوهريا في نيل الحرية فهي التي تسمح للمواطن السيد بأن يعبر من مجال العائلة لمجال المدينة، أي أن يتوقف عن التصرف كمفعول به ويبدأ في التعبير عنه نفسه كذات واعية فعالة لها علاقات بنفسها وبالعالم تؤكدها من خلال القدرة على الاستكشاف والتفكير في المجال العام. (الوضع البشري – حنة أرندنت.) ن

انت قعدت في العراق قد ايه؟

بابا: ست سنين، من سنة ١٩٧٧ لسنة ١٩٨٣. وبعد ما رجعت لقيت الدنيا اتغيرت يعنيى مثلا قبل ما اروح كانت الناس تعدي على البيوت تشتري البيض الزيادة لما رجعت لقيت بقى البيض بيتباع في كراتين وحاجات دا مكنتش موجودة قبل ما اسافر. ن

يعني انت حضرت هناك حرب ايران ؟

 بابا: ايوة الحرب حصلت وانا هناك، وبعد مدة من الحرب كانوا بدأوا يجندوا عمال المصنع، كانوا يجمعونا ويخطبوا فينا عن العروبة والأخوة العربية وبعدين يعرضوا علينا التطوع في الجيش العراقي وكانوا بيبقوا متفقين مع بنات من العاملات في المصنع انهم اول ما يعرضوا علينا التطوع النات دي تطلع وتسجل اسمها في المتطوعين عشان يحرجوا الباقي ويقعدوا بقى يقولوا يا حيف عالرجال؟ انت مو عربي ؟ انا رحت الاجتماعات دي مرة واحدة بعد كدا أول ما كانوا يجمعوا كنت اروح اقعد لوحدي في اي حتة لحد ما يخلصوا وارجع وهما راجعين. ساعتها كانوا جابوا موظفين من الصين في المصنع، كان الصينيين دول مش بيقبضوا بياخدوا اكلهم وسكنهم ومصروف شخصي بس وبعدين المشرفين عزلوهم لما لاحظوا ان المصريين هيبوظوهم. ت

هيبوظوهم ازاي؟

هما كانوا بيشتغلوا كتير وكان انتاجهم كبير ودا كان هيأثر علينا فكنا نروح نشغلهم. في الفترة دي برضو المصنع جاله شغل حربي وكنا بنصنع اجزاء من الطيارات الحربية. في مرة اثناء الحرب وانا واقف على المكنة ايدي اتصابت وصباعي حصل فيه جرح كبير فرحت المستشفى بسرعة ماسك صباعي كدا ولما وصلت المستشفى لقيتها مليانة ناس ممددين على الارض اللي رجله مقطوعة واللي دراعه مقطوع ومفيش حد فاضي لحد فانا بصيت لصباعي كدا وبعدين خدت بعضي ورجعت تاني. ت


 

صحيح شرائط ام كلثوم اللي هنا دي مين اللي كان بيسمعها؟ من

ماما: هي مش عليها ام كلثوم. از

 

انا فاهم ان اتسجل عليها حاجات تانية بس هي مكتوب عليها ام كلثوم؟ تن

 

بابا: دي عليها مشايخ... بس كنا بنكتب عليها ام كلثوم ونحط فيها الشيخ كشك عشان واحنا في المطار نعدي، كان ممكن ايام صدام دا يعمل مشاكل. ت

انا سألت على ام كلثوم عشان كنت عاوز اعرف مين اللي كان نجم ساعتها؟ يعني مين اللي الناس في البلد هنا كانت بتحبه؟

بابا: هي كانت أذواق شخصية.. بس ام كلثوم محدش كان بيختلف عليها ... كان في حاجة زمان اسمها قُصة شادية، البنت اللي كانت تعمل قُصة شادية دي تبقى البنت اللي هيا ويقولوا بنت فلان عاملة قُصة شادية. وعبدالحليم أخدله يومين البنات تجري وراه. بز

 

انت جبت الكتب دي وانت في العراق صح؟

بابا: في العراق كان في طريق النسوان والخمور أو تروح الجامع وتصلي، مكنش في حاجة في النص. انا أول ما رحت العراق قعدت شهر من غير شغل، كان معايا 26 دينار وانا خارج من مصر وكان هناك ممكن 9 دينار تكفيك طول الشهر، فبدأت اتفسح في بغداد ولقيت هناك مكتبات كبيرة فيها كل الكتب في جميع المواضيع، كان ممكن تقعد فيها طول النهار محدش هيقولك حاجة بس لو معاك كتاب وانت خارج بتحاسب عليه وخلاص، وكنت لما اخد الكتب وارجع السكن ممكن زمايلي يعجبهم الكتاب فكنت اديلهم الكتاب واحاسبهم عليه وارجع اشتريه تاني يوم من المكتبة، في كتاب مثلا اسمه الكبائر اشتريت منه بتاع 10 نسخ كل ما اشتري نسخة منه كانوا العيال ياخدوها مني واروح اشتري نسخة تانية. ن

 

كان في مساجد مثلا كنا تعرف اماكنها فين ونروح نصلي فيها وفي مرة رحنا جامع نصلي الجمعة لقينا الخطيب ساب الجامع وطفش تقريبا كان صدام عامله قلق فكنا نروح بغداد نجيب خطيب على حسابنا ونخليه يخطب. بعد كدا اتعينت في شركة مصرية شغالة مع الحكومة العراقية في مشروعات هناك، كنت واقف على مكنة مخرطة. از

ترى حنه أرندنت أن المواطن في اليونان القديمة لم تكن تتحقق حريته إلا بتحرره من حكم الضرورة بمعنى ألا يكون مقيدا بالأعمال الضرورية للحفاظ على الحياة الحيوية في الحياة اليومية، وتقسم مجالات الفاعلية البشرية إلى مجال خاص (العائلة) ومجال عام (السياسة/المدينة)، وكل من لم يكن عنده قابلية الدخول للمجال السياسي لم يكن حرا وبالتالي فهو محكوم بحكم الضرورة. ن

 

صورة أثناء العمل في المصنع في العراق. ن

 

صورة لأمي وصديقتها. ن

كان لخالي ممدوح رأي آخر فأثناء اثارة النقاش لاحقا في جلسة أخرى قال أن التدين انتشر في مصر بسبب نكسة ٦٧ ، فبعد هزيمة الناصرية التي ردد الكثير شعاراتها بدأ الجميع في البحث عن سبب الهزيمة وبدائل للناصرية ووجدوا ذلك في التدين. ت


 

 التدين والحجاب والإنبعاث الإسلاميم

التقطت هذه الصورة عام 1983 أثناء دراسة والدتي في معهد طلخا الفني التجاري بالمنصورة، كانت من أوائل من لبسوا الحجاب في تلك الفترة قبل انتشاره بشكل كبير، حتى أن النساء الأكبر سنا كانوا ينادونها أثناء سيرها في شوارع المنصورة قائلين: ليه كدا يا بنتي انتي لسه صغيرة. كان للتدين في العائلة جذور تعود لجد والدتي الذي كان أزهريا. بعد التقاط تلك الصورة بسنوات قليلة تزوجت الشابة على اليمين ولبست النقاب ثم أخرجت بناتها من المدرسة الإبتدائية خوفا من أن تسوء أخلاقهم. ن

 

ما الذي حدث ؟

 

في ناس بتقول أن التدين والحجاب انتشروا في مصر مع هجرة المصريين ورجوعهم من الخليج، انتي ايه رأيك في الكلام دا؟

ماما: فعلا ممكم يكون صح، لأنه خالتك قبل ما تسافر السعودية كانت بتلبس جيبات من غير حجاب وعشان رايحين السعودية لبسوا بنطلونات ومن فوقها عباية ولما رجعوا كانوا راجعين بحجاب كامل وخمار. ت

وانت ايه رأيك يا بابا؟

بابا: لا النقاب هو اللي انتشر بسبب هجرة الخليج انما التدين بشكل عام والحجاب انتشر بسبب الحركات الإسلامية. ت

 

أثناء قراءاتي في موضوع الصحوة الدينية في مصر في السبعينات والثمانينات اتفق الأكاديميون تقريبا على أن تلك الأسباب الثلاثة التي تم ذكرها كانت المحركات المباشرة الرئيسة لحركة نشر التدين في ذلك العقد. ويزيد على الدين هلال: "إن سياسة الإنفتاح الإقتصادي وإن كانت أكثر جاذبية لرجال الأعمال والمستثمرين لم تقدم سوى القليل للشباب الذين كانوا يبحثون عن ذواتهم ودورهم في المجتمع. وكانت نتيجة ذلك كله خلق وضعية من الإضطراب والتشوش الأيديولوجي والإغتراب واستئصال الجذور، وضعية يمكن وصفها بأنها حالة من الأنومي أو غياب وافتقاد المعايير وفق مفهوم عالم الإجتماع دوركايم. ووجد الشباب أنفسهم محبطين بفعل الفجوة التي قامت بين القيم والتطلعات والتوقعات القديمة التي نشأوا معها، والوضعية الجديدة التي يجب التعامل معها. وفي وسط هذا الإضطراب قدم الإسلام عصاه السحرية كدليل وموجه ومرشد، وكنسق متكامل من القيم والمعايير وقواعد السلوك والفعل، كما أنه يزودهم باليقين الذي كانوا يبحثون عنه منذ فترة بعيدة، وساعد على ذلك أن العودة إلى الدين تم تشجيعها من خلال سياسات النظام الحاكم نفسه" كتاب (الدين والدولة والمجتمع.) ن

يمكن لهيمنة جرامشي أن تتفق مع ذلك الرأي أيضا، فبعد فقدان الهيمنة الثقافية للناصرية على المستوى الرسمي وعلى المستوى السياسي وبعد نشوء فئة جديدة لم تعد الخطابات الصوفية مقنعة النسبة لها بحثت تلك الفئات عن ايديولوجيا تمثلها وتكون لسان حالها الثقافي ووجدت تلك الأيديولوجيا في الإنبعاث الديني

الإسلامي. م

طب على مستوى العلاقة ما بين الولاد والبنات مثلا هل كان في فرق كبير قبل وبعد التدين؟

ماما: في المعهد البنات كانت لما تروح المنصورة بتقابل هناك الولاد وكان ممكن ينشأ بينهم قصص حب ولكن كانوا بيخفوا دا عن أهاليهم في البلد حتى احنا كنا نسألهم "انتوا مش خايفين حد من اهاليكم يكون في المنصورة ويشوفكم ماشيين مع شباب." ن

تقريبا كان ذلك نفس ما يحدث أثناء دراستي في جامعة المنصورة بعد حوالي ثلاثون عاما من دراسة أمي وبعد انتشار الإسلاموية في المجتمع واتخاذها عدة أطوار مختلفة، كان الشباب والبنات يلتقون في الجامعة بشكل غير رسمي وتنشأ بينهم علاقات انجذاب بنفس الشكل تقريبا الذي كان ينشأ قبل ثلاثين عاما، علاقات ليست علاقات رسمية "خطوبة مثلا" ولا هي علاقات مواعدة معلنة للمجتمع وفي الغالب لا تتطور لشيء حقيقي وانما كانت نوعا من استكشاف الذات والآخر والعوالم الجديدة. مع مرور كل تلك السنوات والتغيرات في الأفكار المنتشرة في المجتمع ظل نمط العلاقات بين الناس ونمط التعبير عن الذات والطقوس الإجتماعية (كما سبق) شبه ثابت في جوهره بينما اتخذ اشكالا مختلفة في مظاهره. ت

يثور السؤال:هل كان التغير في المجتمع تغيرا في القيم الحاكمة والأفكار المهيمنة أم فقط تغيرا في الديباجات والإعتذاريات؟

 

يمكننا النظر إلى الحجاب كنموذج قياس لتغير في الديباجة الجسدية (الشكل الخارجي للجسد) يمكن لذلك التغير أن يعبر عن تغير في الجوهر (الجسد والذات والنظرة إليهما وعلاقاتهما بالعالم وطرق التعبير عن الذات وفهمها) ويمكنها أن تعبر عن تغير في المظهر فقط مع ثبات الجوهر. ن

 

فمثلا نلاحظ مما سبق ثبوت تقريبا كل ما يخص الجسد من طقوس الزواج والولادة والموت (على الأقل في الطبقة المتوسطة الريف مدنية)، وثبات في نمط العلاقات بين الجنسين وحتى في علاقات السلطة. ن

كان مفهوم الستر من المفاهيم الأساسية التي لم تتغير على ما يبدو فالبرغم من التغير الواضح في أسلوب الأزياء وطريقة الملبس ظل الستر عاملا حاكما. تذكر أمي أن والدها قد أخرج خالتي الكبرى من المدرسة بعد أن لاحظ نموها الملحوظ مما أدى إلى قلقه عليها، كما تذكر أن بعض البنات كن يحملن الكتب أثناء الذهاب والعودة للمدرسة بحيث تغطي صدورهن وذلك قبل انتشار الحجاب. ن

مع ثبات كل تلك العوامل يمكننا ملاحظة أن الثقافة الشعبية لم تتغير بشكل جذري. بالطبع لا يمكننا المجازفة بالقول أنها تغيرت فقط من حيث المظاهر ولكن التغيرات في الأفكار الحاكمة لم تكن جذرية حتى لو كانت ثورية في طريقة حدوثها وسرعتها فقد كانت مع ذلك محافظة في بنيتها ليس فقط محافظة بمعنى أنها اتجهت للأفكار المحافظة ولكن بمعنى أنها لم تتبنى رؤية تغيرية شاملة للمجتمع، ويمكن أن ينطبق ذلك أيضا على التغيرات التي حدثت في المجتمع مع انتشار الناصرية ما قبل انتشار الإنبعاث الإسلامي، فلم تكن الناصرية رؤية ثورية تقلب الأوضاع في العلاقات بين الأفراد وبعضهم وبين الأفراد والسلطة، نفس الشيء يمكن ملاحظته على المستوى السياسي فعلى الرغم من حدوث تغير ثوري أكثر من مرة في شكل السلطة السياسية، لم ترافق تلك التغييرات تغير في نظرة الأفراد للسلطة ولا نظرة السلطة للأفراد كما لم يصحبها تغير في علاقات القوة وتحكمها بالمجتمع وإن حدث تغير في أشكال تلك القوة وممثليها. ت